صلة الأخلاق بالتربية والدين

  • PDF

صلة الأخلاق بالتربية والدين

تبين لنا مما تقدم أن العنصر الجوهري في طبيعة الإنسان هو العنصر العقلي أو الروحي، وإذا كان يتشابه مع الحيوان في اشتراكهما في الشهوات والإحساسات، فإنه يتميز بالعقل[1]. يستطيع بفضله أن يعرف الأشياء كما يستطيع بفضل إرادته تهذيب شهواته بالرياضة والتربية.


وتظهر الوظيفة الأولى للمربي في العمل على تفتيح ذهن الحدث أو الشاب للقيم الخلقية[2].


والتربية لغويًا: "من ربا يربو إذا زاد ونما. فهي تعهد الشيء ورعايته بالزيادة والتنمية والتقوية والأخذ به في طريق النضج والكمال الذي تؤهله له طبيعته"[3].


وتظهر التربية وللإنسانية الكاملة إذا نظرنا إلى احتياجات وللإنسان المتعددة ومواهبه المتنوعة وأحطنا بقواه وملكاته جميعها لكي نتعهدها بالتنمية والتقوية.


وتتعدد أنواع التربية تبعًا لقوى الإنسان وملكاته، فمنها التربية البدنية لتنمية الجسم وحفظ الصحة، والتربية الأدبية التي تتعهد اللسان وتقومه وتصلح بيانه، والتربية العقلية لتصحيح تفكيره وأحكامه، والتربية العلمية التي تزوده بالمعلومات النافعة والتربية الذهنية التي تساعده على كسب عيشه، والتربية الفنية التي توقظ شعوره بجمال الكون ودقة تنسيقه وتنظيمه، والتربية الاجتماعية وهدفها تنمية روح الإيثار والغيرة ضد الأنانية والتعريف بالنظم والقوانين السائدة بالمجتمع، وهناك أيضًا التربية الإنسانية لتوسيع الأفق والتنبيه إلى الأخوة العالمية. والتربية الدينية للتسامي بالروح إلى الأفق الأعلى بإطلاق. وتأتي التربية الخلقية للتوجيه المستمر للعمل على سنن الاستقامة حتى تتكون العادات الصالحة والأخلاق الحميدة الراسخة[4].


ومن المعلوم أن التربية الخلقية هي السياج التي تحيط بألوان التربية جميعًا، فمن واجب الفنان مراعاة قانون الحشمة واللياقة والمحافظة على ستر الحياء والعفاف، وعلى المعلم الإحسان في اختيار مادة تدريبه العقلي واللغوي.. وهكذا ينبغي أن نخضع سائر ألوان التربية في وسائلها وأساليبها وبواعثها لقواعد الآداب وأن نقيس ذلك كله بمقاييس الفضيلة[5].


وتحتاج التربية الخلقية إلى أنواع من التعب والصبر وطول المرانة لتكوين الملكة الخلقية حتى يصبح السلوك الأخلاقي عملًا انبعاثيًا محببًا إلى القلب. أما الكسالى الضعفاء فلا تتكون لديهم الملكات، بل تموت مواهبهم وتضعف عزائمهم ويحرمون من الاضطلاع بأعباء الحياة والتأثير فيها، بل يعيشون ويموتون في جهالة جهلاء[6].


كذلك لا ينبغي أن نغفل بيان الصلة الوثيقة بين الأخلاق والدين كمصدر رئيسي لقدسية القوانين الأخلاقية ودافع قوي للإنسان إلى الأعمال الخيرة.


صلة الأخلاق بالدين:

هناك تعريفات مختلفة للدين بوجه عام، منها "أنه حالة خاصة بالشخص مؤلفة من عواطف وعقائد، وصت أعمال عبودية تتعلق بالله" أو أنه نظام اجتماعي لطائفة من الناس يؤلف بينها إقامة شعائر موقوتة، وتعبد ببعض الصلوات وإيمان بأمر نحو الكمال الذاتي المطلق وإيمان باتصال الإنسان بقوة روحانية أسمى هي الله الواحد، أو هو احترام في خشوع لقانون أو عادة أو عاطفة[7].


وإذا نظرنا إلى الدين باعتباره معرفة الحق الأعلى وتوقيره.


وإلى الخلق باعتباره قوة النزوع إلى فعل الخير وضبط النفس عن الهوى، فإننا أمام فضيلتين أحدهما نظرية والأخرى عملية.


غير أنه لما كانت الفضيلة العملية يمكن أن تتناول حياة الإنسان في نفسه وفي مختلف علائقه مع الخلق ومع الرب، كان القانون الأخلاقي الكامل هو الذي يرسم طريق المعاملة الإلهية كما يرسم طريق المعاملة الإنسانية. وكذلك لما كانت الفكرة الدينية الناضجة هي التي لا تجعل من الألوهية مبدأ تدبير فعال فحسب، بل مصدر حكم وتشريع في الوقت نفسه، كان القانون الديني الكامل هو الذي لا يقف عند وصفه الحقائق العليا النظرية وإغراء النفس بحبها وتقديسها، بل يمتد إلى وجوه النشاط المختلفة في الحياة العملية فيضع لها المنهاج السوي الذي يجب أن يسير عليه الفرد والجماعة. وهكذا يصل القانون الديني إذا استكمل عناصره إلى بسط جناحيه على علم الأخلاق كله، بل على سائر القوانين المنظمة لعلاقات الأفراد والشعوب بحيث يجعلها جزءً متممًا لحقيقته ويصبغ كل قواعدها بصبغته القدسية[8].


والعقيدة باعتبارها المصدر الرئيسي للإحساس بقدسية القوانين الأخلاقية هي أكبر دافع يدفع الإنسان إلى الأعمال الإيجابية الخيرة وأقوى رادع يكفه عن اتباع الهوى[9].


وبذلك يظهر تفوق العقيدة الدينية في الحياة الإنسانية إذا قورنت بالقانون، ذلك لأن القانون لا يكفي وحده لضبط السلوك الإنساني. ويذهب الفيلسوف الألماني فيخته إلى أن الأخلاق من غير دين عبث، وبالمثل يضع غاندي الدين ومكارم الأخلاق في مرتبة واحدة لا يقبلان الانفصال، بل يرى أن الدين يغذي الأخلاق وينميها وينعشها كما أن الماء يغذي الزرع وينميه.


ولا نذهب بعيدًا إذا استشهدنا بنتائج التحقيق الذي أجراه القاضي البريطاني ديننج في فضيحة الوزير البريطاني وكريستين كيلر حيث مكث نحو ثلاثة شهور يحقق في هذا القضية قابل خلالها 180 رجلًا وامرأة وعكف يدرس القضية بمنظار الباحث المدقق، فخرج منها بنتيجة مهمة أعلنها في قوله "بدون الدين لا يمكن أن تكون هناك أخلاق وبدون أخلاق لا يمكن أن يكون هناك قانون"[10].


أما عن مكانة التدين في الفطرة الإنسانية، فإنه من العناد والمكابرة إنكار هذه العاطفة الراسخة في النفس البشرية، إذ أنها أشد عواطف الإنسان لصوقًا بنفسه، وأعظمها تأثيرًا في حياة الأفراد والشعوب "ولقد صحب الدين الإنسانية منذ نشأتها، فهو قرينها وموجهها، وليست تلك العاطفة وهمًا أو خيالًا ولكنها عنصر جوهري في فطرة كل إنسان"[11].


ودور الدين في تربية الأفراد لا يقل شأنًا عنه في تربية الجماعات والأمم، بل وإقامة الحضارات، فليس مرد الحضارة - كما سنرى في الفقرة التالية - إلى التقدم المادي الذي قد يحجب مؤقتًا مظاهر الضعف والانحطاط الخلقي، بل إن أساس الحضارات كلها هو الإنسان، منه يبدأ التقدم والتشييد والاكتشافات العلمية، فلا تغني العلوم والثقافات عن التربية والتهذيب الديني لأن العلم سلاح ذو حدين، يصلح للبناء والهدم أيضًا، ولابد له من رقيب أخلاقي عند استخدامه لكي يوجه إلى خير الإنسانية - لا لدمارها ونشر الشر والفساد في ربوع الأرض، وهذا الرقيب هو العقيدة والإيمان[12].


وليس أدل على ذلك من الأقوال التي نسوقها لبعض أقطاب العلم والزعماء وقواد الحرب في العالم الغربي نفسه. يقول روبرت ميلكيان العالم الطبيعي الأمريكي "إن أهم أمر في الحياة هو الإيمان بحقيقة المعنويات وقيمة الأخلاق. ولقد كان زوال هذا الإيمان سببًا للحرب العامة وإذا لم نجتهد الآن لاكتسابه أو لتقويته فلن يبقى للعلم قيمة، بل يصير العلم نكبة على البشرية"، وقد نصح الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية قومه بضرورة إنقاذ حضارتهم بالمعنويات، إذ لن يستطيعوا المثابرة على البقاء بماديتها "وأنها لا يمكن أن تنجو إذا سرى الروح الديني في جميع مسامها... ذللت هو الأمر الذي يجب أن تتنافس فيه معابدنا، ومنظماتنا السياسية، وأصحاب رءوس أموالنا، وكل فرد خائف من الله محب لبلده" واعتبر المارشال مونتجمري ((أحد القواد الكبار في الحرب العالمية الثانية))، أن أهم عوامل الانتصار في الحرب هو العامل الأخلاقي موقنًا بأن الجيش إذا سار على غير مرضاة الله سار على غير هدى، وحث جنوده بالانتصار على أنفاسهم قبل العدو. وهو نفس الهدف الذي رمى إليه المارشال بيتان عقب توقيعه الهدنة إثر هزيمة فرنسا في الحرب العالمية الثانية من النداء الذي وجهه إلى أمته قال فيه: "إنني أدعوكم أول كل شيء إلى نهوض أخلاقي"[13].


إن العقيدة الدينية إذن تجعل للأخلاق فعالية وإيجابية مؤثرة، إذ أن الفكرة المجردة "لا تصبح عاملًا فعالًا إلا إذا تضمنت عنصرًا دينيًا، وهذا هو السبب في أن الأخلاق الدينية أقوى من الأخلاق المدنية إلى حد يستحيل معه المقارنة، ولذلك لا يتحمس الإنسان في الخضوع لقواعد السلوك القائم على المنطق، إلا إذا نظر إلى قوانين الحياة على أنها أوامر منزلة من الذات الإلهية[14].


وخير دليل يبرهن على هذا الرأي ما يسجله لنا التاريخ الإسلامي من عجائب الانقياد والطاعة للأوامر الإلهية التي كان المسلمون يصدعون بها حال التبليغ بها، ومنها ما حدث عند نزول النهي عن الخمر "فعن أي بريدة عن أبيه قال - بينما نحن قعود على شراب لنا ونحن نشرب الخمر حلًا، إذ قصت حتى آتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم عليه إذ نزل تحريم الخمر ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ﴾ [المائدة: 90] إلي قوله ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ [المائدة: 91] فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم إلى قوله ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ [المائدة: 91] قال - وبعض القوم شربته في يده قد شرب بعضها وبقي بعض في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام، ثم صبوا في باطيتهم فقالوا: "انتهينا ربنا"[15].


كذلك ضرب النساء المسلمات المثل في التصديق لكتاب الله والإيمان بالتنزيل، إذ لما نزلت في سورة النور ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ ﴾ [النور: 31]، انقلب رجال الأنصار إلى نسائهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم منها، يتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذات قرابة فما منهم امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت به تصديقًا وإيمانًا بما أنزل الله من كتاب، فأصبحن وراء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كأن على رءوسهن الغربان[16].


وما أحوجنا إذا أردنا استعادة أمجادنا من جديد إلى الانقياد لأوامر شرع الله تعالى كما فعلت أجيال المسلمين من قبل إبان ازدهار حضارتنا الإسلامية، لا سيما إذا علمنا - كما بينا توًا - أن الأخلاق هي الركن المكين للحضارات والأمم.

تاريخ آخر تحديث: الخميس, 18 تموز/يوليو 2013 18:30

You are here